 |
بهدوء السادات مظلوما----2
:نشر الساعة 05:43 ص بتاريخ 07/ 6/2007 الكاتب: يوسف
بهدوء
السادات مظلوما
بقلم: إبراهيم نافع
في أحد أيام الجمعة من شهر ديسمبر سنة1979, توجهت إلي بيت الرئيس الراحل أنور السادات في الجيزة لألتقي به لأول مرة بعد تفويضي بالقيام بمهام رئيس تحرير الأهرام في عقب وفاة المرحوم الأستاذ علي حمدي الجمال, ولم أكن قد التقيت به قبل ذلك أو اقتربت منه خلال رحلتي مع العمل الصحفي.
سألت نفسي قبل أن أقترب من بيت الجيزة تري كيف سيستقبلني الرئيس السادات؟ وكيف سيتعامل معي؟ وهل سيكون اللقاء جافا ورسميا أو سيكون لقاء مشوبا بالود؟
قادني أحد العاملين بالبيت إلي الحديقة فرأيت السادات جالسا تحت ظل شجرة, حيث كان يفضل دائما البقاء في الهواء الطلق علي الجلوس في المكاتب المغلقة, ومن الوهلة الأولي تبددت هواجسي بشأن اللقاء فلقد استقبلني الرجل بحرارة شديدة وكأنني صديق حميم له, ورحب بي, وبادرني علي الفور بحديث طويل عن اعتزازه بالأهرام وتقديره لدوره في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية لمصر, وحرصه علي أن يستمر في أداء هذا الدور بالقوة نفسها.
وأذكر أنني قلت له في هذا اللقاء, إنني قد أمضيت معظم سنوات رحلتي الصحفية متخصصا في الكتابة عن القضايا الاقتصادية, وإنني أتوقع أن استمد من خبرته السياسية الطويلة ما يعينني علي الكتابة في القضايا السياسية, في المرحلة المقبلة, وبتواضع آسر قال لي السادات: إنك تكتب عن القضايا الاقتصادية المعقدة, ومن يكتب في الاقتصاد يستطيع أن يكتب أيضا في السياسة, لأن السياسة هي مزيح من فهم الواقع, وحسن الإدراك, والقدرة علي التحليل, بالإضافة إلي أن القرب من دائرة صناعة القرار لابد أن يكسبك الخبرة اللازمة للكتابة السياسية, ويحميك من الوقوع في الحسابات الخاطئة.
واستغرق لقائي الأول بالسادات ما يقرب من الساعتين, شاركته خلالهما أداء صلاة الجمعة في مسجد صغير بالهرم, وودعت الرجل شاكرا, ومنذ ذلك اليوم بدأ الاتصال اليومي بيني وبينه تليفونيا, في مختلف أوقات النهار والليل, فلقد كان يفضل دائما أن يعرف آخر الأخبار السياسية التي تهم بلادنا, وآخر التعليقات الصحفية التي صدرت عن القضايا المثارة, فكنت اتصل به كلما بعثت إلينا وكالات الأنباء أو مراسلو الأهرام في الخارج خبرا سياسيا مهما, أو تطورا في الموقف الدولي, وكان يستمع لهذه الأخبار باهتمام شديد, ويعلق عليها تعليقات بعيدة النظر. وقد لاحظت أن معظم توقعاته السياسية, التي صارحني بها خلال هذه الاتصالات, قد تحققت علي أرض الواقع بعد وقت طال أم قصر!
ولا أنسي أنه ذات يوم خلال فترة الحصار الإسرائيلي, بقيادة آرييل شارون نفسه, للمقاومة الفلسطينية في بيروت, قد استقبلت في مكتبي بالأهرام وفدا من القيادات الفلسطينية يحمل تكليفا من السيد/ ياسر عرفات من بيروت بمقابلتي, ويطلب مني الاتصال بالرئيس السادات في حضور الوفد لإبلاغه بطلب المقاومة الفلسطينية المحاصرة في بيروت أدوية ومساعدات طبية وأطباء من مصر, فاتصلت بالرئيس السادات وأبلغته بطلب عرفات, ولم أقل له إن الوفد الفلسطيني موجود لدي في مكتبي في أثناء الحديث, ففوجئت به يقول لي: هم أمامك الآن أليس كذلك؟
فأجبته بالإيجاب فقال إذن أنا موافق, وأبلغ ذلك بلساني للمسئول المختص ثم اتصل بي بعد مغادرة الفلسطينيين مكتبك.
وقمت بالاتصال بالمسئول المختص وأبلغته قرار السادات بإرسال مساعدات طبية وأطباء إلي المقاومة الفلسطينية في بيروت, في الوقت نفسه الذي كان قادة هذه المقاومة يشنون فيه علي مصر أعنف الهجوم بعد توقيع معاهدة السلام وخلال فترة المقاطعة العربية لمصر.
وغادر الفلسطينيون مكتبي, فاتصلت بالرئيس السادات وأبلغته بما تم فقال لي أكتب خبرا في الأهرام عما حدث, وقل إنني وافقت علي إرسال هذه المساعدات الطبية للفلسطينيين بناء علي طلب عرفات مني.
وأستطيع أن أقول إن السادات لم يكن يخصني وحدي بهذا القرب الصحفي منه, وإنما كان يتيح هذا الاقتراب نفسه لكل زملائي من رؤساء التحرير في ذلك الوقت, إلي حد أنني داعبته ذات يوم قائلا له إنه لايكاد يرفض الإدلاء بتصريحات صحفية لكل من يطلب منه ذلك, وربما لو استوقفه عابر سبيل في الطريق وسأله عن رأيه في الموقف السياسي, لأجابه برأيه بلا تحفظ ولا تكبر.
وتقبل الرجل الدعابة بروح سمحة وأجابني ولم لا؟ كذلك فقد كان السادات يختار بحسه الصحفي القديم الصحيفة التي ينشر فيها تصريحا مهما له, فيختار الأهرام لنشر تصريحات معينة, ويختار أخبار اليوم لنشر تصريحات أخري, ويختار الجمهورية لنشر تصريحات ثالثة, فإذا عوتب في أنه يخص صحيفة دون الأخري بتصريح معين أجاب بأن هذا التصريح لا يحقق الأثر المرجو منه إلا في هذه الصحيفة بالذات.
أما كإنسان فلقد كانت حصيلة تجربتي الشخصية معه أنه إنسان بسيط وودود ومحب للخير لا يحمل شيئا من مشاعر الحقد علي أحد, ولا يشعر بالمرارة تجاه أحد, وحين يغضب فإنه يعبر عن غضبه بعنف وحدة, ويخرج كل ما في صدره من أبخرة مكتومة.
وكانت ذروة الغضب التي لمستها فيه بسبب توحش الجماعات المتطرفة في أواخر عهده, وانفلاتها وتهديدها الأمن والسلام الاجتماعي والوحدة الوطنية.
وأذكر أننا كنا معه في طائرة الرئاسة عائدين من الولايات المتحدة الأمريكية فقال لنا إنه شاهد في صلاة عيد الفطر موكبا حاشدا لهذه الجماعات علي طول كورنيش الإسكندرية, وإن جميع التقارير الواردة إليه عنها تثير القلق للغاية, حيث أصبحت هذه الجماعات تؤثر سلبيا في عملية السلام التي يريد إتمامها واستكمال الانسحاب من التراب الوطني, ولهذا فلا مفر من أن يتصدي لهذه الجماعات بقوة ويحتجز قياداتها إلي أن يتم تحرير التراب الوطني بعد أشهر, وكان هذا الحديث هو مقدمة قرارات سبتمبر باعتقال زعماء الجماعات المتطرفة ورموز المعارضة.
غير أنه من الواضح أن هناك أيدي أخري قد تدخلت خلال عملية إصدار هذه القرارات وأضافت إليها أشخاصا عديدين يمثلون تيارات سياسية وفكرية, بل ودينية لم تكن في حسبان السادات عند تفكيره في اللجوء إلي هذه الوسيلة لضمان استمرار عملية السلام وتحرير التراب الوطني.
ولقد قال لي بالحرف الواحد إن هؤلاء الأشخاص الذين أضيفوا للقوائم سيفرج عنهم جميعا فور استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء في فبراير التالي. ولست في مجال رواية الذكريات الشخصية عن السادات, فإن لها مكانا آخر في كتاب مقبل بإذن الله. لكن ما أريد أن أقوله الآن إنه وقد مضي أكثر من عشرين عاما علي رحيل الرئيس السادات فلقد أكدت أحداث وتطورات سياسية عديدة صدق بصيرته, وبعد نظره وعمق حنكته السياسية, وغير كثيرون آراءهم السابقة فيه. وشهد آخرون, كانوا من أشد المعارضين له في حياته, أنهم يتفهمون الآن رؤية السادات التي سبقت زمانها, لكن هذه الشهادات المتأخرة لم تنصف من ذلك علي الرغم, الرئيس الراحل الذي تجني عليه الكثيرون حيا وميتا إنصافا كاملا, بل إن البعض مازالوا يعتبرون الهجوم علي السادات وإنكار إنجازاته التاريخية بضاعة رائجة ومطلوبة في بعض الدوائر الإعلامية العربية; فيقدمونها لها ويروجونها. ومن هنا نبتت فكرة هذه السلسلة من المقالات عن السادات في ذكري مرور25 عاما علي زيارته القدس وهي الزيارة التي غيرت وجه التاريخ في مصر, والمنطقة والعالم.
ولأني أرجو أن تسهم هذه المقالات, التي أنشرها في مناسبة مرور خمسة وعشرين عاما علي زيارته التاريخية القدس, في إعادة النظر إلي السادات بموضوعية, وإنصاف وإدراك لحجم ما قدمه لمصر والمنطقة والسلام بين الشعوب. وفقد استغرق إعداد هذه السلسلة من المقالات فترة غير قصيرة كلفت خلالها مكاتب الأهرام الخارجية بجمع أهم ما كتب عن السادات في عواصم العالم مدحا أو قدحا, وعلي الرغم من أن الوثائق المتعلقة بفترة حكم السادات لم يكشف عنها بعد, نظرا لسريان قانون سرية الوثائق عليها لمدة30 عاما, فإن ما تسرب من الأسرار السياسية عن هذه الفترة مازال يثير الاهتمام الشديد ويكشف عن حقائق مثيرة, وذلك بالإضافة إلي ما كان قد أجراه مركز الدراسات السياسية بالأهرام من دراسات متعمقة عن فترة حكم السادات, والظروف الدولية التي أحاطت بها. ولقد اخترت لهذه السلسلة من المقالات عنوانا ثابتا هو السادات مظلوما, إشارة إلي هدفها وهو محاولة إنصاف السادات وتقويمه تقويما موضوعيا بعيدا عن شطط المنكرين ومبالغة المؤيدين.
فإلي الغد بإذن الله.
|
|
 |
|