 |
بهدوء السادات مظلوما --1
:نشر الساعة 05:41 ص بتاريخ 07/ 6/2007 الكاتب: يوسف
بهـــــــدوء
الســـــــادات مظلوما...!
بقلم: إبراهيم نافع
الذين أحبوا السادات اعتقدوا دائما أن الجماهير في السابق لم ترتفع إلي مستوي الحنكة والحكمة السياسية للرجل, وأن قلبها وعقلها ظلا دوما مع القادة الذين دغدغوا مشاعرها بالأحلام أو بالشعارات الوردية التي لا تتحقق, وذهبت غالبا أدراج الرياح. وأما الذين كرهوه فقد اعتقدوا أنه قد شط وابتعد كثيرا عما أراده الشعب عند توليه الحكم بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر في28 سبتمبر1970 وحتي مصرعه الدرامي في6 أكتوبر1981.
أما بالنسبة لي فلم يكن ثمة مجال للاختيار.. فلقد اتخذت موقف الجماهير التي خرجت تؤازر الرئيس الراحل السادات عقب قراره التاريخي بشن حرب السادس من أكتوبر المجيدة, وخرجت تسانده عقب عودته من القدس بعد مبادرته التاريخية من أجل السلام. وفي الحالتين كانت علي يقين من حكمة وشجاعة الرئيس السادات في اتخاذ القرارات الصعبة, والمستحيلة. وهو اليقين الذي لم يكن سائدا بالقدر نفسه بين قطاعات من المثقفين ظلوا لفترات طويلة يسألون أنفسهم عما إذا كانت حرب أكتوبر حرب تحرير أم حرب تحريك؟ ويتساءلون هل كان علي الرجل أن يحاول تحرير الأراضي المصرية المحتلة في عهد سلفه أم كان الأجدي الانتظار حتي يتم تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة في وقت واحد؟
وكان ظني علي الدوام أن الانقسام حول السادات, حبا وكراهية, أو المقارنة والتحزب بينه وبين عبدالناصر, مع أنه أمر يخص نخبة المثقفين بأكثر مما يهم الغالبية العظمي من الشعب التي تحفظ لكل زعيم وطني قدره وحقه, ظل أمرا غير صحي بالمرة, لأنه قد يحرم مصر من ميزة التراكم التاريخي الناجم عن القدرة الموضوعية علي التقويم, واستخلاص الدروس. لقد كان اغتيال الرئيس السادات واحدة من أكثر لحظات التاريخ المصري درامية وتراجيدية, حيث نالته أيد آثمة, وهو بين جنوده الذين قادهم إلي النصر, وأمام الشعب الذي قاده إلي السلام وتحرير الأرض, وهي لحظات قاسية عشتها بنفسي عبر شاشات التليفزيون. ثم بالانتقال إلي مستشفي المعادي, حيث كان كل شيء قد انتهي, وحيث بدأت إجراءات نقل الشهيد إلي مثواه الأخير.
وقلت يومئذ في الأهرام:
في الصباح خرج من منزله بالجيزة,, مرتديا ثياب أكتوبر, واصطحب قادة القوات المسلحة زائرا لقبر الجندي المجهول, أو لعله كان يحس ـ وهو المؤمن دائما بإرادة الله بأنه سيكون معهم, وبينهم بعد ساعات قليلة.. لم يكن باليقين يحس أن غدرا أو خيانة تتربص به من واحد من أولاده الجنود والضباط, فكلهم أولاده, إن القوات المسلحة بريئة من حفنة الخونة الذين أنستهم الخيانة أنهم يسيرون في يوم مصر, في يوم البطولة المصرية, والسادات الرمز والعلم الخفاق في سمائها, لكن الخيانة تلبس أثوابا كثيرة, وتصبح في عروق الخائن جزءا من مزيج دمه, فلا يدري ـ في غيبوبة الخيانة ـ أي شئ يخون ولا من يخون.
وكتبت يومئذ: بالأمس كنت أسأله: هل ستسافر يوم الأربعاء ؟ فقال إلي أين؟ قلت إلي وادي الراحة في سيناء للتعبد والصلاة؟ قال: لو أراد الله, فإن غدا يا إبراهيم يوم عظيم هناك مفاجآت كبيرة في العرض العسكري وإنجاز كبير, وبعد العرض سأزور قبر شقيقي عاطف. ولم تتم الزيارة.
السادات فى وادى الراحة بسيناء كان يعتزم ان يذهب الى هناك بعد العرض العسكرى الذى اغتيل فيه لكى يتفرغ بعض الوقت للعبادة والصلاة
والآن ولأول مرة منذ أكثر من ألفي عام عاشت مصر لعقدين كاملين وأرضها محررة بالكامل من الاحتلال الأجنبي, ولا مكان فيها لحاكم خارجي ينتمي إلي أقوام أخري. وهي فترة كافية لكي تجعلنا نتحرر من كل القيود, ونتقدم بالفهم والتحليل للرجل الذي قادها إلي تلك الفترة التي ظلت تناضل من أجلها لآلاف السنين.
لقد عايشت السادات, وتجربته في العمل السياسي, منذ بدأت العمل في الصحافة قبل ما يزيد علي أربعين عاما, ثم بعد أن تولي رئاسة الجمهورية في أكتوبر1970. لكن ذلك قد تحول إلي مراقبة مباشرة بعد أن توليت رئاسة تحرير الأهرام في نهاية عام1979 عندما اتصل بي الدكتور مصطفي خليل رئيس الوزراء آنذاك لكي يبلغني بقرار الرئيس السادات بتكليفي برئاسة تحرير الأهرام. ومنذ ذلك الحين أصبح هناك اتصال مباشر, وبل متكرر أحيانا بيننا في اليوم الواحد, فقد كان رحمه الله من الذين يؤمنون بأهمية الإعلام ـ ودور الأهرام خاصة ـ في شرح سياساته للرأي العام.
وعلي كثرة متابعاتي الصحفية خلال أربعة عقود, فإنني لم أعرف شخصا أو قائدا, مثل السادات اختلف الناس حوله, بل واختلف المراقب الواحد بشأنه بين لحظة وأخري, حتي بدا في أحوال كثيرة وكأنه شخصية مملوءة بالمتناقضات التي لا يستطيع أحد حصرها أو وضعها في إطار فهم متسق ومتناغم. وحتي الآن مازال التساؤل قائما بعد واحد وعشرين عاما من رحيله: هل كان زعيما حالما أو مقامرا متهورا؟, هل كان وحشا سياسيا مندفعا أم كان رجل دولة داهية؟, هل كان شجاعا صاحب رؤية أم انتهازيا عميلا؟, هل كان شيطانا أم ملاكا؟, أم كان كل ذلك معا؟!.
والحقيقة أن هذه الصور المتناقضة للسادات لم تكن شائعة في مصر والعالم العربي فقط, بل في العالم الغربي الذي قال منتقدو السادات من قبل إنه كان المناصر الأساسي لسياساته. وبعد أربعة أيام فقط من حادث المنصة رصد روجر كوبر في تعليق كتبه لمجلة سبكتاتور البريطانية كيف أن الكثيرين كانوا ينظرون إلي السادات عندما خلف الرئيس عبدالناصر علي أنه مجرد سد مؤقت للفراغ الذي تركه ناصر, إلا أنه سرعان ما أثبت أنه قوي وقادر, وبعد ثلاثة أعوام فقط من توليه الرئاسة أعاد للجيش المصري فخاره حين بدأ حرب1973, ثم حين فاجأ العالم كله بخطوته الدرامية نحو السلام مع إسرائيل. وكان ذلك هو الوقت الذي كتب فيه المعلق المعروف روبرت فيسك أن الرئيس الراحل لم يكن زعيما عربيا عظيما, وإنما كان زعيما غربيا عظيما وكانت هذه النغمة نفسها هي ما رددتها صحيفة الجارديان البريطانية في أكثر من مقال كتبه جون ماكمانوس وإيرين بيسون.
أما صحيفة التايمز البريطانية فكان لها رأي آخر حينما رثته رثاء مطولا بعد يوم واحد من وفاته قالت فيه: إن هناك عاملين أساسيين, وراء استمرار ذكري السادات حية, أولهما هو قرار عبور قناة السويس عام1973 والذي رفعه إلي مرتبة رجل الدولة العالمي. وثانيهما هو إبرامه أول اتفاق سلام مع دولة إسرائيل اليهودية. والحدثان مرتبطان ارتباطا جوهريا, إذ لم يكن هناك أبدا إمكان لاتخاذ مبادرة السلام دون عبور القناة. وبعد عشرة أيام من حادث الاغتيال نشرت التايمز افتتاحية أخري بعنوان ذهب إلي القدس قارنت فيها ما بين السادات وكيندي ـ وكلاهما مات اغتيالا ـ وتوصلت إلي أن أثر السادات في العالم كان أعظم من تأثير كيندي. ويذكر هنري كيسنجر المفكر الاستراتيجي ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأسبق في الولايات المتحدة في مذكراته حول الرئيس السادات أنه بعد وفاة عبدالناصر لم يكن متصورا أن شخصية غير معروفة ـ هي السادات ـ تستطيع أن تملأ فراغ شخصية بعظمة وقوة عبدالناصر, وأنه قد تصور, هو شخصيا ومعه مراقبون آخرون, أن فترة حكم السادات هي مجرد فترة انتقالية حتي تظهر الخلافة الحقيقية لعبد الناصر. ويعترف كيسنجر في مذكراته أن هذا التقدير كان من أسوأ التقديرات التي قام بها في حياته, حيث كشفت الأحداث عن الشخصية الشجاعة والخلاقة للرئيس السادات التي أحدثت بالفعل ثورة في العلاقات الدولية للشرق الأوسط.
أما الكاتب الفرنسي تييري ديجردان فقد أصدر كتابا عن السادات قبل اغتياله بعنوان السادات.. فرعون مصر قال عنه فيه: لاشك في أن أنور السادات يعتبر واحدا من أكثر الشخصيات إثارة للدهشة في الواقع الدولي الذي نعيشه, ويمكننا أن نؤكد أنه قلما نجد حكاما استطاعوا أن يثيروا إعجاب مواطنيهم مثل هذا الرئيس المصري.
ففي سبتمبر1970, بعد وفاة ناصر لم يكن أحد يراهن علي نائب الرئيس هذا الذي وضعه الدستور في موقع الرئيس بالنيابة. ففي عيون المصريين وقتها لم يكن أنور السادات إلا الرجل المعروف بموافقته لعبد الناصر علي كل شيء, ولم تتوقع الجماعة السياسية في القاهرة أن يستمر السادات في الحكم لأكثر من عدة أسابيع. فقد كان ينظر إليه علي أنه شخصية شرفية ظل علي مدي ثمانية عشر عاما موافقا علي طول الخط, حتي أن واشنطن نفسها أكدت أيضا أنه لن يستمر في الحكم أكثر من ستة أسابيع.
ولكن السادات الرجل غير المعترف به تماسك, وأزاح بضربة واحدة رجل موسكو المفضل علي صبري, وكذلك أكثر الرجال سطوة في البلاد والذين كانوا يسيطرون علي النظام البوليسي البغيض, مثل شعراوي جمعة وسامي شرف. لم يكن أبدا من المتوقع له أن يتم توليه السلطة بهذه البساطة, وكانت هذه أول مفاجأة للسادات.
ثانية مفاجآته كانت قدرته علي أن يمحو بجرة قلم الكثير مما كان يمثل الناصرية. ففتح السجون, ومنع التنصت علي التليفونات, وسمح بالتعددية السياسية والحرية الاقتصادية والانفتاح الدبلوماسي. وهذا الرجل الذي تم تقديمه علي أنه معجب قديم بهتلر, وأنه أحد مؤيدي الإخوان المسلمين, ظهر بعد عدة أسابيع كرجل ديمقراطي وصديق للغرب.
السادات وجيهان مع حفيديهما
أما المفاجأة الثالثة ـ التي كنا نتوقعها ـ فهي أنه في صباح يوم جميل في عام1972 قام هذا الرئيس, الذي مازالت أمريكا مستاءة منه, بطرد الخبراء العسكريين السوفيت الذين وصل عددهم إلي نحو عشرين ألفا.
لم يمض علي توليه السلطة أكثر من عامين وبكلمة واحدة وهو في مكتبه, استطاع أن يقلب مسرح السياسة العالمية رأسا علي عقب. فمنذ سنوات كانت مصر محمية سوفيتية. فالاتحاد السوفيتي كان قد انتهي من بناء السد العالي في أسوان ـ الذي اعتبر هرم عبدالناصر ـ كذلك عمل الاتحاد السوفيتي علي تصنيع البلاد وتدريب الجيش, كما قام بتنظيم الحزب الواحد بمصر, وسداد المستحقات العاجلة علي مصر, وعمل علي تعليم عشرات الآلاف من الضباط والأساتذة والفنيين. وفي هذه الأثناء كان الغرب يقف متفرجا علي مصر, وهي يتم تحويلها إلي منطقة نفوذ سوفيتية. وبضربة واحدة طرد السادات المجتاح الروسي, ونسي كل عرفانه, وتجاهل كل تهديده, وأعاد كل شيء إلي حاله. ضربة رائعة!.
أمام كل هذا خر المراقبون بسرعة علي أقدامهم. فالسادات لم يعد التابع أو الوارث لتركة عبدالناصر. لقد أصبح رئيسا بمعني الكلمة, ولديه بلاشك, أفكاره الخاصة به. وبعد مضي عام, وفي أكتوبر1973 وقع حدث مفاجيء يملأ العالم كله. فالسادات يهاجم إسرائيل, لم يحدث أبدا, لا في عام56 ولا في عام67 أن جرؤ ناصر العظيم علي أن يشن حربا علي أعدائه. وفي كل مرة كان يقع في فخ الحرب الذي أعده له أعداؤه. بينما لم يتردد السادات الذي لم يلبث أن فقد مصدره الوحيد لإمداده بالسلاح في شن هذه الحرب. واستطاع جيشه, الذي كان الخبراء العسكريون يسخرون من قدراته بالأمس, أن يعبر قناة السويس وخط بارليف والذي اعتبرناه في الغرب حائطا جديدا للأطلنطي. ومرة أخري انقلبت الأمور المسلم بها رأسا علي عقب. فمنذ خمسة وعشرين عاما والشرق الأوسط يعيش في اسطورة أن إسرائيل لا تقهر, والسادات, الذي لم يكسب حربه هذه,, ولم يخسرها أيضا, استطاع أن يحطم هذه الأسطورة, وفي خلال أيام أصبح السادات بطل العالم العربي. وقام ملوك البترول بمقاطعتهم للغرب حتي يصعدوا إلي قطار النصر, وكل العالم تفهم أن السادات كسب المعركة. لا. لقد أخطأ العالم كله. فالسادات لم يدخل الحرب ضد إسرائيل إلا من أجل أن يعقد سلاما.
ففي الوقت الذي كان فيه الجسر الجوي بين أمريكا وإسرائيل ينقل المؤن والعتاد للدولة اليهودية, كان السادات يلتقي منتصرا بكيسنجر في القاهرة, وتعود مرة أخري العلاقات الدبلوماسية, التي انقطعت في1967, بين مصر وأمريكا. ضربة خيالية! لقد أخطأنا هذه المرة أيضا, فالسادات لم يسع للسلام مع أمريكا من أجل محاربة إسرائيل. بالفعل إنه رجل شيطان. ففي عام77 قام برحلة القدس التي لا يمكن أن يصدقها أحد.
فهنا يعجز المعلقون عن الحديث. فقد تحدي أي توقعات ممكنة, وبحثنا في التاريخ جيدا ولم نجد زعيم دولة فعل ما فعله السادات, فهو يذهب لعدوه التاريخي يمد له يده, ويعرض عليه السلام, ويتحدث معه عن الأخوة. إن العالم كله حبس مشاعره بصعوبة أمام هذه الصور في التليفزيون. إننا لم نعهد هذه العظمة في السياسة ولا في الحكام. فجأة, ارتفع التابع الماكر, خليفة ناصر, العامل السابق, البرجوازي الحر, الرجل الجريء, الرئيس الشجاع العنيد, إلي مستوي أعظم الرجال.
أيا كانت بقية الأحداث فقد كنا علي يقين من أن خطاب السادات في الكنيست سوف يدخل ضمن مختارات التاريخ, وأن السادات سوف يجد مكانه في قاعة عرض صور العمالقة. وسواء قتل السادات غدرا من موتور, أو عزل من مكانه بعد الغد بانقلاب, أو خان بنفسه صورته بعد عشر سنوات, فإننا نعلم جيدا أنه سوف يظل دائما من الرجال ذوي الإرادة القوية, رجل رحلة القدس. إن شباب كيندي, وزهرة نهرو, وصلابة تيتو, وضحكة ناصر, كل هذا أصبح شيئا قليلا أمام رحلة القدس. لقد نجح السادات في جذب انتباهنا إليه, وكسب تعاطفنا معه.
وتصبح قصة حياة السادات مثيرة. فهي توضح بجلاء كل هذه المفاجآت التي احتفظ لنا بها, وتعطيها تفسيرا. فمما لاشك فيه لو أن أي مراقب جيد درس شخصية السادات منذ أكتوبر1970, لاستطاع أن يتوقع توليه الحاسم للسلطة, وسياسته الليبرالية, وطرده الروس, وحرب أكتوبر73 وإعادة العلاقات مع الأمريكان وحتي رحلته للقدس. سوف نري أن قليلين جدا من رؤساء الدول ظلوا أوفياء علي خط سياسي واحد مثل السادات. نعم لقد ظل السادات لمدة ثمانية عشر عاما صامتا في ظل عبدالناصر, موحيا بموافقته علي كل قراراته. ولكنه من السهل اليوم أن نتخيل أن السادات كان في قرارة نفسه معترضا علي السياسة التي يتبعها نظام الحكم الذي كان هو جزءا منه. ولذا فقد كان من المستحيل تخيل أن يأخذ هذا الرجل الثاني المتواضع قرارات مخالفة تماما للتي كان يتظاهر بموافقته عليها. ولكن بمجرد توليه السلطة اتبع سياسته الخاصة, والتزم بها, ولم نلحظ ذلك, فمنذ أكتوبر1970 أظهر تأييده لليبرالية السياسية والاقتصادية والدبلوماسية, أوضح أنه سيعمل علي القضاء علي الأسطورة الإسرائيلية التي لا تقهر من أجل إقامة سلام عادل في المنطقة. وبعد مرور عشرة أعوام علي حكمه لا
يستطيع أحد أن يقول إن السادات قد جنح قيد أنملة عن هذا الخط السياسي الذي رسمه لنفسه.
يبقي شيء آخر أكثر مدعاة للدهشة في شخصية السادات, وهو النجاح الذي حققه في مصر نفسها. فسواء رضينا أم لم نرض, فإن مصر اليوم هي إحدي الدول النادرة في العالم الثالث, والتي تعيش حياة ديمقراطية نسبيا, فلم يعد هناك أكثر من خمسة أو ستة مسجونين سياسيين في مصر, كما أن الانتخابات تعتبر إلي حد كبير حرة, ويوجد بها نحو6 أحزاب, وقتها كما أن معارضي السادات يمكنهم التعبير عن آرائهم بحرية.
ولكن يجب علينا أن نشير إلي أن السادات حين تولي الحكم لم يكن يستند إلي أي قوة حقيقية في البلاد, فلم يقف خلفه الجيش الذي كان سوفيتيا أكثر منه ناصريا, ولا جهاز الحزب الذي كان في يدي علي صبري, ولا البوليس ولا المحتل الروسي ولا البرجوازية الجديدة في الحكم. لقد كان رجلا وحيدا استطاع بمفرده أن يدمر بمنهجيته كل ما كان معبودا لعدة سنوات. وهنا يكمن سر السادات. كما أن دراسة حياته سوف تضيء لنا جوانب كثيرة. لقد كان السادات نفسه صورة كاريكاتيرية للمصري المتوسط الحال, والسياسة التي كان يتبعها هي التي كان يحلم بها المصري متوسط الحال منذ سنوات.
إن ضربة العبقرية للسادات هي أنه بعد ملاحظته علي مدي سنوات طويلة, وهو في الظل لكل مساويء الناصرية, أيقن أن مصر سوف تظل دائما بلدا للفلاحين والباشوات وصغار البرجوازيين. وأن الثورة والاشتراكية وصراع الطبقات كانت مصطلحات يصعب ترجمتها إلي العربية المصرية. لقد كان واقعيا, فقدم لشعبه أول انتخابات حرة منذ فترة طويلة, وأعاد لأبناء الباشوات أراضيهم المصادرة, وفي اليوم الذي وضع فيه السادات علي صبري في السجن, رجل روسيا في مصر والرئيس المطلق للحزب الوحيد, لم يعترض أحد علي قراره ولا عضو واحد من الحزب. ففي مصر, إذا أردنا أن نكون ديمقراطيين فيجب أن نعرف أن الفلاحين هم الذين ينتخبون الباشوات. وهذا هو ما عرفه السادات. والقدرة الهائلة لدي السادات, هي أنه من أعماقه, ابن لمصر هذا البلد الخالد. فقد ولد وأقدامه في طمي النيل يلبس الجلابية في بلد ريفي صغير في وسط الدلتا, واحترم الزعماء أمثال مصطفي كامل وسعد زغلول باشا, وصفق للوفد, وكان يحلم أن يصبح باشا, ويكره انجلترا, بينما كان الغرب يبهره. ومثله مثل غيره في سن العشرين بحث عن طريق في كل مكان في اتجاه القومية ـ الاشتراكية, والتطرف الديني والإرهاب السياسي.
ودخل الضابط الشاب ابن الفلاح السجن, ثم ألقت به ظروف الحياة في الشارع. قليل من رؤساء الدول( ويجب ألا ننسي ذلك أبدا) عانوا في شبابهم, الفاقة التي كانت من نصيب السادات علي مدي أعوام طويلة. كما أنه بلاشك الرئيس الوحيد الذي عاش حياة التشرد لفترة من الزمان, وهو الذي يحب حياة الرفاهة. ثم يعود إلي الجيش بعد أن عمل كصحفي, ثم يلقي بنفسه في الثورة الناصرية. وفي الثالثة والثلاثين من عمره يدخل في دهاليز السلطة, حيث يظل لمدة ثمانية عشر عاما. ولكن في الواقع لم ينس أبدا مصريته خلال هذه الأعوام التي تظهر علي السطح بمجرد توليه السلطة.
لو قلنا إن السادات استطاع أن يفرض نفسه منذ عام1970, فهذا يرجع, بلاشك, إلي وجهة نظره في أن يظهر في صورة محببة إلي نفسه في ثلاثة أوضاع. الصورة الأولي هي صورته بالجلابية في بلدته, وهو يدخن البايب, والثانية وهو بملابس الماريشال. أما الصورة الثالثة فهي صورة البرجوازي الكبير في بدلة أنيقة مصنوعة في لندن, وسط أفراد عائلته. إنها الصورة التقليدية لمصر, صورة الفلاح والرجل العسكري والباشا. الوجوه الثلاثة الحقيقية للسادات نفسه. ونادرا ما نجد اليوم رؤساء الدول يتوافقون بهذا الشكل, وبهذه الطبيعة مع أرواح شعوبهم مثل السادات, ومن هنا نبعت القوة الكبري له.
فهو مثل المصريين الحقيقيين, يحب الديمقراطية وبعضا من صور الملكية, ومثلهم أيضا يحب الحرية ويكره عدم الانضباط, ومثلهم لا يعرف إلا وادي النيل, ويأمل أن يتعامل العرب جميعا مع مصر باحترام, ومثلهم فهو وطني ولكن دون أدني كراهية للأجانب, ومثلهم فهو مسلم ولكن دون تعصب, ويفضل الغرب علي الشرق. إنه مثل المصريين, يشبه النيل: فهو علي ثقة بانه علي حق, وأن لديه الوقت الكافي لنفسه, وأنه الأقوي.
وانتقال السادات من دائرة القادة الذين لا يعرف بهم أحد إلي دائرة القادة المؤثرين في التاريخ وعلاقات الشرق الأوسط قد جعل منه شخصية جذابة بالنسبة للرأي العام العالمي, فقد قوبلت سيرته الذاتية التي أصدرها السادات بعنوان البحث عن الذات بإقبال عالمي قياسي, وترجمت إلي ثلاث عشرة لغة هي الانجليزية والألمانية والفرنسية والبرتغالية والسويدية والهولندية والإيطالية والنرويجية والعبرية والفنلندية والدنماركية والإسبانية واليابانية. كما نشرت أجزاء وفصول من هذا الكتاب في عدد من الصحف الأجنبية, منها مجلة التايم الأمريكية, وباري ماتش الفرنسية, وبانوراما الإيطالية, ولا ريبوبليكا الإيطالية, والأوبزرفر البريطانية, ودير شبيجل الألمانية, وإصدار نادي الكتاب الشهري بأمريكا, وبوك ديجيست بأمريكا.
وكان السادات قد روي في كتاب البحث عن الذات قصة حياته ونشأته وأحلامه كشاب وطني يحلم بتحرير بلاده من الاحتلال البريطاني والتحاقه بالكليه الحربية.. وانخراطه في العمل الفدائي السري ضد الانجليز, وفصله من الجيش وتشرده لعدة سنوات وملاحقة البوليس السياسي له خلال فترة اختفائه عن عيون الشرطه وعمله كسائق سيارة في هذه السنوات العصيبة, واتهامه بالاشتراك في اغتيال الوزير الوفدي أمين عثمان الذي كان متهما بممالأة الانجليز ومحاكمته وهروبه من المعتقل أكثر من مرة وعمله صحفيا بدار الهلال ثم انضمامه للضباط الأحرار ومشاركته في ثورة يوليو, وتجربته في العمل في عدة مواقع إلي أن عين نائبا للرئيس عبد الناصر وانتخابه رئيسا للجمهورية من بعده, وخوضه معركته ضد مراكز القوي التي كانت محيطة بعبد الناصر, وأرادت احتكار تراثه من بعده, وتخطيطه لحرب أكتوبر.. واتخاذه قرارا بخوض الحرب والمعارك السياسية التي تلت ذلك إلخ.
فكيف تم هذا الانتقال من دائرة عدم الاعتبار إلي دائرة الإعجاب العالمي؟, ولماذا كانت كل هذه التناقضات في الموقف من السادات, سواء في الغرب الذي قيل إنه أعجب به فيه رجل الشارع بأكثر مما أعجب به البعض في بلده مصر وفي عالمه العربي الأوسع. وباختصار لماذا كان الموقف من السادات في كل الأوقات متباينا دائما بين النفور التام والإعجاب الشديد, وبين الحب والكراهية, بلا وسطية أو موضوعية تضع الرجل في ميزانه الصحيح. وفي حالة مثل حالة الرئيس السادات فإننا لا نستطيع قبول التفسير الذي يقول إن هذه هي طبيعة موقع القائد السياسي حين ينقسم بشأنه الناس بين مؤيد ومعارض, خاصة أنه كان قائدا لبلد مهم مثل مصر, كما لا نستطيع قبول الحدة في الانقسام حوله ما بين رفعه إلي درجة سامية من درجات البطولة أو الهبوط بتقديره إلي درجة متدنية حتي يصل البعض إلي اتهامه بالخيانة أو العمالة, كما أنه ليس كافيا بالمرة الاعتماد علي التناقضات الموجودة في شخصية الرئيس السادات في تفسير ذلك, فالرجل الذي اتهم بموالاته للغرب ورأي فيه البعض أنه واحد من أشيك الرجال في العالم كان هو الرجل نفسه الذي جعل شعاره العلم والإيمان, وهو الرجل نفسه الذي كان و
بحق أكثر رؤساء مصر التصاقا بالريف والحديث بلهجة ريفية واضحة, وربما كان أول قائد مصري يخرج علي الناس بالجلباب والعباءة, ويتعمد استقبال زواره العالميين في قرية ميت أبوالكوم. كما أنه الرجل الذي اعتبره كثيرون في الدول الغربية نبيا للسلام, في حين اعتبره الآخرون في المقابل مفرطا ومستسلما, وكان هو الرجل نفسه الذي استشهد مرتديا الزي العسكري, وفي عهده تمت أهم انجازات العسكرية المصرية, ومن بين رؤساء مصر جميعا كان هو من خصص أعلي نسبة من الموازنة العامة للإنفاق العسكري.
كل هذه التناقضات في الظاهر كان لها ما يبررها, ويدعو إليها إذا ما تجاوزنا القشور, واقتربنا من الجوهر, وتعدينا المظهر ونفذنا إلي المضمون.
والرأي عندي هو أن الرئيس السادات بدا متناقضا, أو اختلف الناس حوله بشدة وحماس, لأن ما جاء به كان مفاجئا وصاعقا بالنسبة للجميع, فقد فكر فيما أعتقد الكثيرون أنه مستحيل التفكير فيه أو الاقتراب منه, واتبع السياسات التي اعتقد الجميع أنها محرمة, وكان شجاعا ومقتحما وجريئا بأكثر مما اعتاد الناس عليه. فقد حارب الرجل عندما ظن العالم كله أن الأمة العربية باتت جثة هامدة.
كما خاض الرجل معركة منتصرة في الوقت الذي ظن فيه العالم كله أن الجيوش العربية لم تعد مؤهلة لأكثر من تدريب الجيش الإسرائيلي علي الضرب فيها, واقتحم جيشه بنجاح مشهود ما اعتبره خبراء عالميون في الشرق والغرب سدا ترابيا منيعا غير قابل للاختراق والعبور. وأدار باعتراف كل الخبراء العسكريين المرموقين في العالم واحدة من أهم عمليات الخداع الاستراتيجي والمفاجأة الاستراتيجية في تاريخ الحروب, وبعد النزال كان هو دون غيره الذي أخذ المبادرة في اتجاه السلام الذي ظنت كثرة في العالم العربي, وفي الشرق والغرب أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي هو واحد من صراعات الأقدار التاريخية التي لا يجدي معها حل سلمي. وفي الوقت الذي قيل فيه إن الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو قد وصلا إلي مرحلة التكافؤ الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي ودخلا فيما سمي موجة التوسع الثالثة للكتلة الاشتراكية ـ بعد الأولي التي تمت في النصف الثاني من الأربعينيات, والثانية التي تمت في الستينيات ـ التي مدت نطاق الدول الشيوعية إلي أفغانستان ونيكارجوا والسلفادور والقرن الإفريقي وقلب إفريقيا. في هذا الوقت, كان الرئيس السادات واحدا من قلة محدودة في العالم ل
ديها الحس التاريخي الصادق بتآكل القوة السوفيتية واحتوائها علي عفن يدفعها إلي الانهيار, ومن ثم ابتعد بمصر عن قوة كانت في طريقها إلي التدهور. وفي الزمن الذي كان فيه العالم الثالث كله, وحتي العالم الأول بدرجة نسبية, يعمل علي مزيد من تدخل الدولة في الاقتصاد كان السادات من أوائل القادة الذين رأوا أن ذلك لا يحقق التنمية, فرفع شعارات الانفتاح الاقتصادي والاعتماد علي القطاع الخاص, قبل سنوات من تبني المؤسسات الدولية هذه السياسة, وقبل أن يصبح ذلك نوعا من الايديولوجية التي تبنتها مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا ورونالد ريجان رئيس الولايات المتحدة.
هذه الأفكار والقرارات السياسية التي يبدو بعضها علي الأقل معتادا من الأمور الدولية الآن, كانت كلها أمورا مستجدة في سماء السياسة العالمية, وبقدر ما أثارت الدهشة في الداخل, كان استيعابها صعبا ومقلقا في الخارج, وفي هذه الحالة أو تلك كان السادات ـ الذي عليه أن يتعامل مع تركة عصور مضت بأفكارها وأوضاعها بمنطق جديد كل الجدة ـ يبدو للآخرين متناقضا, فأفرز هذا التناقض مشاعر وآراء متناقضة بدورها بشأنه. وفي غمرة هذا التناقض كان السادات مظلوما بشدة, ومفتري عليه وضائع الحق في كثير من الأحيان, وهذه المجموعة من المقالات ليست سوي محاولة في الذكري الخامسة والعشرين لأهم أحداث القرن الماضي لإنصافه ورفع الظلم عنه, والنظر إليه بمعايير موضوعية مجردة.
|
|
 |
|